ما رأيكم: نستخدم العقل أو لا نستخدمه؟
لن نناقش إجابة السؤال ، ولن نناقش أيضا حجج المهاجمين للعقل والمحذرين من استخدامه على اختلاف نواياهم ومقاصدهم، ذلك أنه من العبث أن ندخل في جدال حول قضية استخدام العقل أو إلغائه بينما نحن نقف على أبواب القرن الواحد والعشرين. لكننا فقط سنسجل بعض الملاحظات حول الموضوع:
الملاحظة الأولى: هي أن هذا الكلام الذي يقوله المهاجمون للعقل هو ذاته الذي كانت تردده المجامع الكنسية في العصور الوسطى لمواجهة التأثر بالفكر الإسلامي المستنير، الذي كان اشعاعه يصل الى أوروبا عبر الأندلس وصقلية وجنوب إيطاليا. ولعلنا نذكر التحذيرات التي كان يطلقها رجال الكنيسة لمنع المتعلمين من تداول أفكار الفيلسوف المسلم ابن رشد، والتي وصلت الى حد اتهام هؤلاء المتعلمين بالمروق والضلال.
في عصور الانحطاط
وفي ظل الحرص على تجهيل الناس، كان من الطبيعي أن تنطلق الحملة ضارية لتهاجم العقل وتشهر بآثاره المخربة والمدمرة. وهذا موقف منطقي، إذ أن الظلام لا يتهدده ولا يبدده إلا شيء واحد وخطر واحد هو: النور.
الملاحظة الثانية: أن هذا السلوك يتعارض تماما مع موقف الإسلام من العقل. ذلك أن القرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه الى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة أو مقتضبة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المفكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه. يخصص الأستاذ عباس محمود العقاد الفصل الأول من كتاب " التفكير فريضة إسلامية" لتأكيد هذا الرأي مستندا في ذلك الى العديد من نصوص القرآن الكريم.
ولا بد أن نسجل هنا الملاحظة الذكية التي طرحها الفيلسوف والشاعر محمد إقبال في كتاب " تجديد الفكر الديني"، والتي قال فيها إنها كان من الطبيعي أن يكون محمد عليه السلام هو آخر الأنبياء، لأنه بعد أن أسلم البشرية إلى عقلها، لم يعد هناك مجال لنبوة جديدة ورسالة جديدة.
الملاحظة الثالثة والمدهشة، هي أن ما يقوله فريق من علمائنا الآن ليس مع موقف الإسلام الحقيقي من قضية العقل، ولكنه متخلف بحوالي ستة قرون عن مسيرة الفكر الإسلامي ذاته. فعندما تقرأ كتابات بعض الفقهاء المسلمين منذ 600 سنة نجد أنها أكثر استنارة وأوفر شجاعة وأعمق فهما للدين من بعض فقهاء هذا الزمان.
ولشيخ المجتهدين ابن تيمية كتاب كامل في " رد تعارض العقل والنقل". خصصه لمناقشة القضية من زاوية دقيقة تنمثل في السؤال التالي: ما العمل إذا تعارض الشرع ـ وهو المنقول إلينا من غيرنا ـ مع العقل؟
في رده قال ابن تيمية: إذا حدث التعارض بينهما " فإما أن يجمع بينهما وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يردا جميعا ( أي يرفضا جميعا). وإما أن يقدم السمع وهو محال.. لأن العقل أصل النقل
. فلو قدمناه عليه، كان ذلك قدحا في العقل الذي هو أصل النقل. والقدح في أصل الشيء قدح فيه. فكان تقديم النقل قدحا في العقل والنقل جميعا". والحل؟.. يرد ابن تيمية:" فوجب تقديم العقل".
ثم يضيف شيخنا الجليل أن هذا الرأي بمثابة " قانون كلي" عند أكثر الأئمة المجتهدين، الفخر الرازي وأتباعه، وقبله الإمام الغزالي واللقاضي أبو بكر العربي والجويني والباقلاني.
وهذا صحيح، فأبو بكر الرازي يقول في كتابه " المطالب العلية": لما كان العقل أصلا للنقل، كان الطعن في العقل موجها للطعن في العقل والنقل معا، وهذا محال. ( لاحظ ـ مرة ثانية ـ أن هذا الكلام قيل منذ حوالي 600سنة).
والإمام أبو حامد الغزالي يقول في "رسالة قانون التأويل" في بعض وصاياه: أن لا يكذب برهان العقل أصلا، فإن العقل لا يكذب،ولو كذب فلعله كذب في إثبات الشرع، إذ به عرف الشرع، فكيف يعرفه صدق الشاعر بتزكية المذكى الكاذب؟؟
والإمام ابن حزم يقول في كتاب "الأحكام في أصول الأحكام": انه بطل أن يعلم صحة الخبر بنفسه، إذ لا فرق بين صورة الحق وصورة الباطل، فلا دليل يفرق بينهما، وليس ذلك إلا لحجة العقل المفرقة بين الحق والباطل.
وللجاحظ عبارة مشهور يقول فيها: إن العقل هو وكيل الله عند الإنسان.
وأبو بكر الرازي يعرفه بقوله: هو الشيء الذي لولاه كانت حالتنا حالة البهائم والأطفال والمجانين!
هو " اكتشاف" قديم إذن، مسجل ومعمول به منذ نزل القرآن الكريم، وسأل المسلمين في أكثر من موضع " أفلا تعقلون؟"، ثم أشار في أكثر من موضع أيضا الى أن الله سبحانه وتعالى يفصل الآيات لقوم يعقلون. ثم أكد أن العقل سبيل إلى معرفة الله، عندما خاطب المشركين في سورة الأنبياء قائلا:" أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون"؟.
لكن هناك تفرقة منطقية ومفهومة بين أمور العقيدة الثابتة دائما، وأمور الدنيا المتغيرة دائما. بين الدائرة الغيبية التي يعد التسليم بها من مستلزمات الإيمان، والدائرة السببية التي يعد استخدام العقل فيها من مستلزمات الحياة التي لا تثبت على حال.
وحتى تتاح حرية الحركة على أوسع نطاق للعقل المسلم، فإن القرآن الكريم مثلا، لا يحتوي على تعريف واحد للأحكام التفصيلية التي وردت في نصوصه.
فالسارق والزاني والقتل عمدا، والقتل الخطأ والدين والربا، كل هذه وغيرها وردت ألفاظا غير مشفوعة في الكتاب بتعريف معين. وقد طبقها واجتهد في الفقه الإسلامي حسبما رأوا من ظروف حياتهم.
واغفال التعريف في الأحكام الدنيوية مقصود من الله سبحانه، بعكس الحال في أمور العقيدة، التي لا سبيل إلى تغييرها.
هذا الموقف الإسلامي من العقل سلح المسلمين الأوائل بجسارة بالغة، مكنّهم من الذهاب الى مدى بعيد في الاجتهاد،
حتى انهم هم الذين وضعوا الأساس الحقيقي ـ مثلا ـ للقاعدة التي أشرنا إليها سابقا:" تغيير الأحكام يتغير الزمان والمكان". أي أن الحكم ينبغي أن يوضع في موضعه الصحيح، بحيث يصبح لا محل لتطبيقه إذا تغيرت ظروف الزمان أو المكان بصورة تؤدي الى ضياع الحكمة منه.
مثلا، ينص القرآن على أن توزع الزكاة على سبعة بنود، بينها بند " المؤلفة قلوبهم"، وهم ضعفاء الإيمان الذين يخشى من ردتهم عن الإسلام إذا هم لم يعطوا، أو الذين يرى أنهم يسهمون في قضاء مصالح المسلمين الهامة. وكان النبي عليه السلام يطبق النص ويعطيهم حصتهم من الزكاة. وعندما تولى أبو بكر جاءه بعض هؤلاء "المؤلفة" يطالبون بحصتهم، فكتب الى عمر بن الخطاب بذلك. لكنهم عندما توجهوا الى عمر قرأ الرسالة ثم مزقها
، وقال لهم: لا حاجة لنا بكم، فقد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم. وأقر أبو بكر تصرف عمر.
لقد استخدم عمر بن الخطاب عقله الفذ، واقتنع بأنه لم يعد هناك مصلحة أو مبرر لتطبيق هذا النص، والتزم بقناعته.
وبالمثل عالج الخليفة عمر مسألة السرقة عام المجاعة.
وبعقله الفذ أيضا، تفهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. عندما منع تقسيم أراضي سواد العراق وأراضي مصر والشام على المجاهدين الفاتحين الذين طالبوا بتقسيمها بينهم، كما تقسم الغنائم الحربية بعد إخراج خمسها لبيت الله، محتجين بظواهر نصوص القرآن والسنة. وأبقى عمر بن الخطاب على الأرض بين أيدي أصحابها، يؤدون عنها الخراج لينفق على مصالح عامة للمسلمين.
والنماذج كثيرة، وكلها تنطق بحقيقة هامة، هي أن المسلمين الأوائل لم يترددوا في أن يناقشوا الأحكام بأهدافها ومبرراتها، بحرية واسعة وصلت الى حد الاجتهاد في فهم نصوص القرآن ذاتها وسنة النبي عليه السلام.
هل هناك محل بعد لنسأل: نستخدم العقل أو لا نستخدم العقل؟؟؟
من كتاب
القرآن و السلطان
فهمى هويدى







